محمد أحمد خلف الله
129
الفن القصصي في القرآن الكريم
وعلى استعذاب الألم في سبيل الدعوات . وكأن تلك الوقفات القصيرة لم تكن إلا الاستعداد للوثبة تتبعها وثبات . يعمل على هذا الانتصار فيما نعتقد أمران : الأول : تلك العقيدة الدينية التي يحس بأثرها النفسي جميع المؤمنين بالعقائد والأديان من أن اللّه يرعاهم ويحفظهم ويثبت خطاهم ويهيّئ لهم من أمورهم رشدا والأثر النفسي لهذه العقيدة هو أنها تشحذ الهمم وتقوّي العزائم وتزيل الضعف عن النفوس وتبعد اليأس عن القلوب قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ « 1 » . الثاني : ذلك الأثر النفسي الذي يقوم به الفن من عمليات الإيحاء والإفاضة حين يقص على المعاصرين أخبار من سبقوهم وكيف كانوا أبطالا وكيف كان النصر في النهاية حليفهم . والقصص القرآني يعمل من غير شك على تخفيف الضغط العاطفي وعلى انقشاع الأزمات النفسية من عند النبي والمؤمنين وهذا هو الأمر الذي سنتحدّث عنه بتفصيل عند حديثنا عن أغراض القصص القرآني إن شاء اللّه ولذلك نكتفي هنا في الدلالة على تلك الحقيقة بذلك النص القصير المنقول عن صاحب الكشاف بصدد حديثه عن الصلة بين قوله تعالى طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى . . . « 2 » وبين قصة موسى عليهما السلام قال رحمه اللّه : « قفاه بقصة موسى عليه السلام ليتأسى به في تحمّل أعباء النبوة وتكاليف الرسالة والصبر على مقاساة الشدائد حتى ينال عند اللّه الفوز والمقام المحمود » « 3 » . وصدق اللّه العظيم حين يقول وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ « 4 » .
--> ( 1 ) سورة الأعراف ، الآية 128 . ( 2 ) سورة طه ، الآيتان 1 - 2 . ( 3 ) الكشاف ، ج 2 ، ص 25 . ( 4 ) سورة هود ، الآية 120 .